عبد الوهاب الشعراني
12
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية
بعد تبحري في علوم الشريعة واطلاعي على مذاهب المجتهدين وأدلتهم ، فكيف أخالفهم ! وأعرف بعض جماعة يظنون أنني أعتقد ما دسوه في كتبي من العقائد الزائفة إلى وقتي هذا ، وما منهم أحد يجالسني قط ، فاللّه يغفر لهم أجمعين ، فإياك أن تصغي لقولهم فإني بريء من جميع ما دسوه ، وبيني وبينهم يوم القيامة . وكان من الباعث لي على تأليف هذه الرسالة طلب النصح لنفسي ولإخواني حيث تحلسنا « 1 » بحلاس الأشياخ ومشينا على مراسمهم الظاهرة ، وظن كل واحد منا نفسه أنه صار من أشياخ الطريق ، فوضعت هذه الرسالة كالميزان التي يوزن بها المحق والمبطل ، فمن وافق حاله ما فيها فليحمد اللّه ، وإلا فليستغفر من دعاويه الكاذبة . وقد بلغنا أن الذئب الذي اتهم بأنه أكل يوسف عليه الصلاة والسلام ، كان من حلفه أنه قال : « وألا أكون من مشايخ القرن العاشر من أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم ما أكلت يوسف » فكيف يصح لأحدنا دعوى الطريق وهو في النصف الثاني من القرن العاشر الذي استعاذ الذئب أن يكون واحدا من أشباهنا فيه ! ! ؟ وقد أدركنا بحمد اللّه جملة من أشياخ الطريق أول هذا القرن ، وكانوا على قدم عظيم في العبادة والنسك والورع والخشية وكف الجوارح الظاهرة والباطنة عن الآثام حتى لا تجد أحدهم قط يعمل شيئا يكتبه كاتب الشمال ، وكان للطريق حرمة وهيبة ، وكان الأمراء والملوك يتبركون بأهلها ، ويقبلون بطون أقدامهم ، لما يشهدونه من صفاتهم الحسنة ، فلما ذهبوا زالت حرمة الطريق وأهلها ، وصار الناس يسخرون بأحدهم ويقولون لبعضهم : ما دريتم ما جرى ؟ فلان الآخر عمل شيخا ! ! ؟ كأنهم لا يسلمون له ما يدعيه لما هو عليه من محبة الدنيا وشهواتها والتلذذ بمطاعمها وملابسها ومناكحها والسعي على تحصيلها ، حتى إني قلت لبعض التجار لم لا تجتمع بالشيخ الفلاني ؟ فقال : إن كان شيخا فأنا الآخر شيخ ، فإنه يحب الدنيا كما أحبها ، ويسعى في تحصيلها كما أسعى ، بل هو أشد مني سعيا على الدنيا ، لأنه يسافر إلى الروم « 2 » في طلبها وأنا لم أسافر ، وربما أكل الدنيا بصلاحه ، وأنا لم آكلها بصلاحي ، فأنا أحسن حالا منه . فأردت أن أجيب عنه فرأيت الحس يكذبني . وقد رأيت بعيني السلطان الغوري ، وهو يقبل يد سيدي محمد بن عنان ، ورأيت السلطان طومان باي الذي تولى بعده يقبل بطن رجله . وطلعت مرة مع سيدي الشيخ أبي
--> ( 1 ) لبسنا . ( 2 ) بلاد الروم .